الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
358
نفحات القرآن
أما سبب كون هذه الآيات عبرة للصابرين والشاكرين فقط دون غيرهم ( ينبغي الالتفات هنا إلى أنّ « صبور » و « شكور » صيغةٌ مبالغةٌ ، الأولى تعني كثير الصبر والثانية كثير الشكر ) ، فذلك لأجل أنّ دراسة دقائق هذه الحوادث وجذورها من جهة ، ونتائجها من جهة أخرى يحتاج إلى صبر وتأنٍ . إضافة إلى هذا ، فانّه لا يستفيد من هذه الحوادث إلّاأولئك الذين يقدِّرون نعَم اللَّهِ ويشكرونه عليها ، وعلى هذا ، فالصبر والشكر أرضيتان ملائمتان للمعرفة والعلم . كما يحتمل أن يكون تقارن الصبر مع الشكر لأجل أنّ هؤلاء مجهزون بالصبر عند المصائب ، وبالشكر عند النِعَم ، وعلى هذا فلا يركعون أمام المصائب ، ولا يغترون عند نزول النِعَم ، فلا يضِلون أنفسهم على أيّة حال ، فهم مؤهلون لتقبل المعرفة وأخذ العِبَر والدروس من هذه الحوادث العظيمة . في الآية الثانية والرابعة جاءت هذه العبارة : « إِنَّ فِى ذلِكَ لَآياتٍ لِّكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ » ، وقد ذُكِرَت بعد التعرض لحركة السفن في البحار والمحيطات التي تتم بايعاز من اللَّه وبالاستعانة بالرياح فتطوي المسافات البعيدة وتصل إلى مقاصدها بسرعة . بديهي أنّ هذا الموضوع هو إحدى آيات اللَّه التكوينية ، وآية من آيات النظام الإلهي وقدرة اللَّه . لكن هل يا ترى يكون استثمار هذه الآيات الإلهيّة الموجودة في عالم الوجود وحتى الكامنة في هبوب الرياح ممكناً للجميع ، أو أنّه خاص بأُولئك الذين يدرسون ويتابعون نظام الخلق العجيب بدقة وصبرٍ وتأنٍ إلى المستوى الذي يتيح لهم العلم البشري فرصةَ الاستثمار ، ومن جهة أخرى فإنّ الدافع نحو « شكر المُنعِمِ » نفسه عامل للسعي والحركة في طريق المعرفة . يقول « القرطبي » في تفسيره : « والآية : العلامة ، والعلامة لا تتبين في صدر كل مؤمن إنّما تتبين لمن صبر على البلاء وشكر على الرخاء » « 1 » .
--> ( 1 ) . تفسير القرطبي ، ج 14 ، ص 79 .